الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

68

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

وكذا آلاف منفعة ، وإذا كان هذا هكذا ، فتلك هي الطريقة الشرعية والطبيعية التي جاء بها الرسل ونزلت بها الكتب . والعلماء ليس يفضلون الجمهور في هذين الاستدلالين من قبل الكثرة فقط ، بل من قبل التعمق في معرفة الشيء الواحد نفسه ، فإن مثال الجمهور في النظر إلى الموجودات مثالهم في النظر إلى المصنوعات التي ليس عندهم علم بصنعتها ، فإنهم يعرفون من أمرها أنها مصنوعات فقط ، وأن لها صانعا موجودا ، ومثال العلماء في ذلك مثال من نظر إلى المصنوعات التي عنده علم ببعض صنعتها ، وبوجه الحكمة فيها ، ولا شك أن من حاله العلم بالمصنوعات هذه الحال هو أعلم بالصانع من الذي لا يعرف من تلك المصنوعات إلا أنها مصنوعة فقط « 1 » . أ . ه . وبعد : فهذه الأدلة وما أكثر نظائرها في القرآن تدل على وجود الخالق جل وعلا ، بل على وجوده أزلا وأبدا ، وأنه واحد ، له كل صفات الجلال والإكرام . أما عن أزليته ، فنسوق دليل ابن رشد ، وهو أن الموجودات الممكنة لا بد لها من علل تتقدم عليها ، فإن كانت العلل ممكنة ، لزم أن يكون لها علل ، ويمرّ الأمر إلى غير نهاية ، وذلك هو التسلسل المحال ، وإن لم يكن هناك علة لزم وجود الممكن بلا علة ، وذلك مستحيل ، فلا بد من أن ينتهى الأمر إلى علة ضرورية ، فإذا انتهى الأمر إلى علة ضرورية ، لم تخل هذه العلة الضرورية أن تكون ضرورية بسبب أو بغير سبب ، فإن كانت بسبب ، سئل أيضا في ذلك السبب ، فأما أن تمر الأسباب إلى غير نهاية ، فيلزم أن يوجد بغير سبب ما وضع أنه موجود لسبب ، وذلك محال ، فلا بد أن ينتهى الأمر إلى سبب ضروري بلا سبب ، أي بنفسه ، وهذا هو واجب الوجوب ضرورة . أ . ه . وقوله : فيلزم أن يوجد بغير سبب . . . إلخ ، وذلك لأن التسلسل محال ، يعنى فلا وجود له ، فقد تبين أن ما فرض أنه بسبب وهو العلة الضرورية في وجود الممكنات أصبح بلا سبب ، وهذا خلاف الفرض ، وهو محال . وأما عن كونه أبديا ، فإنا نقول : ثبت في أصول التوحيد وقواعد المنطق أن ما ثبت قدمه استحال عدمه . أما عن كونه واحدا ، فإننا نسوق الدليل المتعين على كل طالب علم أن يعرفه ، فهذه

--> ( 1 ) انظر : مناهج الأدلة لابن راشد ، تحقيق د . محمود قاسم ( ص 151 - 155 ) بتصرف .